المامقاني
325
غاية الآمال ( ط . ق )
ولا نسلم ( حينئذ ) وجوبه واللطف الَّذي نلتزم بوجوبه انّما هو ما كان مقرّبا إلى الطَّاعة على وجه لو لم يتفق هو لم يتفق تحصيل المأمور به وأين هذا مما نحن فيه فان اجراء الثواب على إتيان الصّبي بمثل ما يجب على البالغ ليس مما يقرب إلى الإتيان بالمأمور به على الوجه المذكور وان أريد باللطف إثبات أمر اللَّه إياه بالمندوبات والواجبات في حق غيره على وجه الاستحباب فكون الأمر المذكور لطفا ممنوع ( أيضا ) العاشر الاعتبار العقلي فإن من البعيد الفرق بين ما قبل البلوغ بساعة وما بعده فان المراهق المقارب للبلوغ جدا لا ريب في أنه بمكان من الإخلاص والعبودية للَّه ( تعالى ) كما بعد البلوغ بل في الحالة الأولى ربما يكون أقوى منه في الحالة الثانية فيبعد كونه مأجورا على الثانية دون الأولى وفيه انه يرتفع البعد بملاحظة افتراق الحالتين من جهة الحكم الوجوبي والتحريمي وصدور الأمر في إحديهما دون الأخرى الحادي عشر ما دلّ من الاخبار على أن لكل كبد حرى أجرا فإنّه عام شامل للصّبي والبالغ وهو يشير إلى أن العلَّة إنما هي حرارة الكبد ولا ريب في حرارة بعض الكبد الضبيان في بعض الأوقات شوقا إلى اللَّه تعالى أزيد من البالغين وفيه أولا ان هذا لا يفيد إلا في بعض من اشتد شوقه بخلاف من كان شوقه دون ذلك وثانيا ان الحديث المذكور انما يبيّن ثبوت الأجر للملهوف الَّذي أصابه ما يؤلمه أو فاته ما يلائمه وأين هذا من حال من اشتاق إلى ارتكاب عمل فارتكبه هذا وليعلم ان من قال بكون عبادة الصّبي شرعية انما يقول به في غير الأموال لكونه محجورا فلا يجوز له التصرف فيها فيمنع من التصدق ونحوه ولا ينافي ذلك تعلق الحق بماله كما لو حصل من ماله ربح فإن جماعة يقولون بوجوب الخمس فيه لان ذلك خطاب متوجه إلى الولي وليس هو المخاطب بالإخراج وان تعلق الحق بماله احتج القائلون بكون عبادة الصّبي تمرينية بوجوه الأول الأصل بمعنى أصالة عدم الشرعية وذلك لان القائلين بالشرعية يدّعون ان ما هو واجب في حق المكلفين أو مندوب فهو مستحب في حق الصّبي شرعا بمعنى انه توجه إليه أمر من الشارع على وجه الندب فإذا شك في ذلك فالأصل عدمه الثاني ما تمسك به في الرياض وفي المستند من ظواهر الأخبار كرواية الزهري الطويلة وفيها ان الصّوم على أربعين وجها فعشرة أوجه منها واجبة كوجوب صوم شهر رمضان وعشرة أوجه منها حرام وأربعة عشر وجها منها صاحبها بالخيار ان شاء صام وان شاء أفطر وصوم الإذن وصوم التأديب ثم ذكر ( عليه السلام ) في أقسام ما فيها بالخيار كثيرا من أقسام الصّوم المندوب إلى أن قال واما صوم التأديب فإنه يؤخذ الصّبي إذا راهق بالصّوم تأديبا وليس ذلك بفرض و ( كذلك ) المسافر إذا أكل من أول النهار ثمّ قدم أهله وكذلك الحائض إذا طهرت وفي الفقه الرضوي واما صوم التأديب فإنما يؤمر الصّبي إذا بلغ سبع سنين تأديبا وليس ذلك بفرض وان لم يقدر الا نصف النهار يفطر إذا غلبه العطش و ( كذلك ) من أفطر لعلَّة في أول النهار ثم نوى بقية يومه أمر بالإمساك بقية يومه تأديبا وليس بفرض و ( كذلك ) المسافر إذا أكل من أوّل النهار ثم قدم أهله أمر بقية يومه بالإمساك تأديبا وليس بفرض وفي حسنة الحلبي المتقدمة في صدر المسئلة تعليل أمرهم ( عليه السلام ) صبيانهم بالصّيام إذا كانوا بنى سبع سنين بان فيه تمرينا على الطاعة ومنعا عن الفساد الثالث ما دلّ من الاخبار على أمر الصّبي بإمساك بعض النهار إذا لم يطق إمساك جميعه فان ذلك يدلّ على أنه لمجرّد التمرين والَّا فلم فليس يوجد في الشرع صيام بعض النهار ومن هنا يعلم أن كلا من حسنة الحلبي والفقه الرضوي يدل على هذا القول من وجهين الاجتزاء ببعض النهار والاشتمال على التأديب والتمرين الرابع حديث رفع القلم عن الصبي وتقريب الدلالة انه ليس المراد برفع القلم خصوص رفع المؤاخذة كما قيل بل المراد ما يعم جميع الأحكام الخمسة التكليفية ووجهة ان القلم انما استعمل هنا من باب المجاز فان معناه الحقيقي هو إله النقش ولما كان المكلفون من شأنهم ان الكرام الكاتبين يكتبون أعمالهم بأسرها من واجبات ومندوبات ومحرمات ومكروهات أراد النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الاخبار عن أن الصّبي ليس مورد التعرض اعماله فقد رفع عنه القلم فلا يكتب له ولا عليه شيء فرفع القلم في الحديث كناية عن عدم الاعتداد بحاله بشيء من الأحكام التكليفية فهذا المعنى هو الأقرب إلى ما هو معنى القلم حقيقة ويؤيد ذلك بل يدلّ عليه انّه اقترن الصّبي بالمجنون في رفع القلم عنه في قوله ( عليه السلام ) رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتّى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن المغمى عليه حتّى يصح كما انّ الأحكام الندبيّة مرفوعة عن المجنون فكذا عن الصبي بل الحال ذلك في المغمى عليه ما دام مغمى عليه بحسب الاعتبار وكذا بحسب العرف ولسانه لسان الحكومة فلا يضرّ كون النسبة بينه وبين العمومات هي العموم من وجه في مثل ما لو قيل من قرء سورة الفاتحة فله كذا فإنه شامل للصّبي وغيره وحديث رفع القلم عن الصبي ( صح ) شامل للفاتحة وغيرها من الأعمال فيكون حاكما على كلّ ما كان من العمومات والإطلاقات قابلا لان يحكم عليه مثل قوله ( تعالى ) : « ولِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا » واما ما كان هو خارجا عنه من أصله مثل يا ايّها الذين أمنوا فلا اشكال فيه فتكون العمومات والإطلاقات بأسرها متوجهة إلى البالغين دون غيرهم فقد ورد الحديث المذكور على طبق استعمال أهل التعارف فإنهم إذا قالوا إن فلانا مرفوع عنه القلم أرادوا به ان لا يوجه طلب إلى أفعاله ولا إلى تروكه ( مطلقا ) لا على وجه الإلزام ولا على غيره ولا ينافي هذا ترتب الأحكام الوضعية على أفعاله لأنه لا يوجه إليه طلب في ضمنها بل لو كان هناك طلب فقد توجه إلى الولي أو انه يتوجه إليه بعد التكليف فالتعرض المنفي بحديث رفع القلم ليس ثابتا في الأحكام الوضعية فتخصيص حكم الحديث المذكور بنفي المؤاخذة غير سد كالقول بتعميم حكمه بالنّسبة إلى الأحكام الوضعية والتكليفية جميعا كما ذهب إليه بعضهم الخامس رواية محمّد بن مسلم متى يصلى الصّبي قال ( عليه السلام ) إذا عقل الصّلوة بتقريب ان عقل الصّلوة كناية عن البلوغ فقبله لا صلاة في حقه فيكون للتمرين ولا يخفى ضعفه لأن الظاهر من عبارة الحديث هو السؤال عن وجوب الصّلوة فينطبق عليه الجواب ونفى الوجوب قبل البلوغ أعم من الندب والتمرين فتعيين أحدهما بخصوصه تحكم السّادس ما تمسك به العلامة ( رحمه الله ) بعد تصريحه بأن الأقرب انه على سبيل التمرين واما انه تكليف مندوب إليه فالأقرب المنع من قوله ( رحمه الله ) لنا ان التكليف مشروط بالبلوغ ومع انتفاء الشرط ينتفي المشروط انتهى وأنت خبير بما فيه لان اشتراط التكليف المندوب بالبلوغ عين المتنازع فيه فلا وجه للاستدلال به حجة القول الثالث اما على نفى الشرعية الأصلية فهي بعينها أدلَّة القول بالتمرين ( مطلقا ) على ما عرفت واما على ثبوت الشرعية التمرينية فهي ان النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قال مروهم بالصّلوة أبناء سبع ومقتضاه استحباب التمرين من الولي ويلزمه استحباب التمرن ومحبوبيته ومطلوبيته والا لزم أن يكون الأمر بالتمرين لغوا ووجه اللزوم ظاهر لأن الأمر بالشيء لا بد فيه من غاية ومع قصد الأمر عدم ترتبها أو عدم قصده ترتبها يلزم اللغو والعبث في الأمر المجرد عن الغاية لكن هذا انما يتم على القول بكون الأمر بالأمر أمرا والا لم يتحقق الأمر بالتمرن في حق الصّبي وان استلزم محبوبيته لكن الفعل بمجرد المحبوبية لا يصدق عليه انه شرعي وان كان إتيانه يستلزم الثواب إذا كان بعنوان المحبوبية لأن الشرع